تفسير الاصحاح 17 من سفر التكوين


 


 

مقدمة الإصحاح: كسر الصمت

بعد 13 عامًا من ولادة إسماعيل (حيث توقف السرد في الإصحاح السابق عند عمر 86 لأبرام)، يظهر الله مرة أخرى لأبرام وهو في سن الـ 99. هذه السنوات الطويلة من الصمت كانت ضرورية ليدرك أبرام أن "إسماعيل" (الحل البشري) لم يكن هو تحقيق الوعد الكامل، وليصل جسد أبرام وسارة إلى مرحلة "الموت" التام من حيث القدرة على الإنجاب، ليكون المجد لله وحده.


1. الظهور الإلهي والدعوة للكمال (الآيات 1-2)

"أَنَا اللهُ الْقَدِيرُ (إيل شَدَّاي). سِرْ أَمَامِي وَكُنْ كَامِلاً"

  • الله القدير (إيل شَدَّاي): لأول مرة يستخدم الله هذا الاسم. معناه "الله كلي القدرة والكفاية". وكأنه يقول لأبرام: "لماذا لجأت لجاريتك؟ ألم أكن أنا كافيًا لك؟". الله يعلن أنه فوق قوانين الطبيعة والشيخوخة.

  • سِر أمامي: أي عِش في حضرتي دائمًا، واشعر بمراقبتي ورعايتي لك في كل لحظة.

  • كن كاملاً: الكمال هنا ليس معناه عدم الخطأ المطلق، بل "النضوج الروحي" والقلب المكرس بالكامل لله دون الاتكال على الذراع البشري.

  • العهد: "فَأَجْعَلَ عَهْدِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ". العهد هنا ليس جديدًا، بل هو تثبيت وتفعيل للعهد القديم، ولكن بملامح وأختام جديدة.


2. تغيير الأسماء: تغيير الكيان والهوية (الآيات 3-8، 15-16)

سقوط أبرام على وجهه (آية 3) يعبر عن الخشوع والعبادة والانسحاق أمام الإعلان الإلهي. وهنا يغير الله الأسماء، وتغيير الاسم في الكتاب المقدس يعني تغيير "الشخصية" و"الرسالة" و"المصير".

  1. من "أبرام" إلى "إبراهيم":

    • أبرام: تعني "أب مُكَرَّم" أو "أب عالٍ".

    • إبراهيم: تعني "أب لجمهور من الأمم".

    • المعنى الروحي: أضاف الله حرفًا من اسمه (الهاء) إلى اسم أبرام، وكأنه يسكب من روحه وحضوره عليه. تحول من مجرد شخص ذي مكانة (أب مكرم) إلى نبع فياض بالبركة للآخرين (أب لجمهور).

  2. من "ساراي" إلى "سارة":

    • ساراي: تعني "أميرتي" (بياء الملكية)، أي أنها أميرة خاصة بزوجها فقط أو بأسرتها.

    • سارة: تعني "أميرة" بشكل مطلق.

    • المعنى الروحي: فُكَّت القيود عن سارة لتصير أمًا للأمم وملوك شعوب منها يخرجون. النعمة تحرر النفس من الانغلاق (ساراي) لتصبح كنيسة جامعة (سارة).


3. سر الختان: علامة العهد (الآيات 9-14)

"يُخْتَنُ مِنْكُمْ كُلُّ ذَكَرٍ... فَيَكُونُ عَلامَةَ عَهْدٍ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ"

الختان هو العلامة الجسدية المميزة لهذا العهد، وله دلالات عميقة جدًا:

  • المعنى المباشر: قطع جزء من اللحم يشير إلى قطع الشهوات الجسدية، وأن هذا النسل ليس نتاج "شهوة جسدية" عادية بل هو نسل مقدس مفرز لله.

  • اليوم الثامن: أمر الله أن يكون الختان في "اليوم الثامن" للمولود.

    • رقم (7) يرمز للزمن الأرضي (أيام الأسبوع).

    • رقم (8) يرمز لما بعد الزمن، أي القيامة والحياة الجديدة (لأن المسيح قام في اليوم الثامن أي فجر الأحد).

  • الرمز للمعمودية: يرى القديس بولس (في كولوسي 2: 11-12) أن الختان كان رمزًا للمعمودية في العهد الجديد (ختان المسيح غير المصنوع بيد). فكما كان الختان يزيل جزءًا من الجسد، فالمعمودية تخلع "جسم خطايا البشرية" وتميت الإنسان العتيق ليقوم الجديد.

  • العقوبة: "وَأَمَّا الذَّكَرُ الأَغْلَفُ... تُقْطَعُ تِلْكَ النَّفْسُ مِنْ شَعْبِهَا". هذا يؤكد ضرورة الانضواء تحت العهد. ومن يرفض العلامة (المعمودية روحيًا) يخرج نفسه من عضوية جسد الجماعة المقدسة.


4. الوعد بإسحق وضحك إبراهيم (الآيات 15-22)

"فَسَقَطَ إِبْرَاهِيمُ عَلَى وَجْهِهِ وَضَحِكَ..."

  • البشارة: الله يحدد بوضوح أن سارة ستلد ابنًا، وتكون أمًا لملوك.

  • ضحك إبراهيم: لم يكن ضحك استهزاء، بل ضحك دهشة وفرح ممزوج بالعجب البشري. "هل يولد لابن مئة سنة؟". كيف يخرج الحيوة من الموت؟

  • شفاعة إبراهيم لإسماعيل: "لَيْتَ إِسْمَاعِيلَ يَعِيشُ أَمَامَكَ!".

    • إبراهيم كأب يحب ابنه البكر (إسماعيل) ويخشى أن يأتي الابن الجديد ليُلغي وجود القديم.

    • رد الله كان واضحًا: "إسماعيل باركته وسأجعله أمة عظيمة" (بركات زمنية وأرضية)، "وَلَكِنْ عَهْدِي أُقِيمُهُ مَعَ إِسْحَاقَ" (البركة الروحية والخلاصية والمسيانية).

  • اسم "إسحاق": يعني "ضحك". الله حول ضحك الدهشة إلى اسم دائم للفرح. إسحق هو ابن الموعد الذي يأتي بقوة الله لا بقوة الجسد.


5. الطاعة الفورية (الآيات 23-27)

"فَأَخَذَ إِبْرَاهِيمُ إِسْمَاعِيلَ ابْنَهُ... وَخَتَنَ لَحْمَ غُرْلَتِهِمْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ عَيْنِهِ"

  • لم يتباطأ إبراهيم. رغم كبر سنه (99 سنة) والألم الناتج عن الختان، ورغم صعوبة ختان كل رجال بيته (مئات الخدم والعبيد)، إلا أنه نفذ الأمر "في ذلك اليوم عينه".

  • هذا يظهر إيمان إبراهيم العامل بالمحبة والطاعة. لم يناقش الله في "لماذا الختان؟" أو "لماذا الآن؟"، بل أطاع فورًا.

  • خُتن إسماعيل وهو ابن 13 سنة، وخُتن إبراهيم وهو ابن 99 سنة.


الدروس الروحية المستفادة

  1. الله القدير (إيل شداي): عندما تبدو الأمور مستحيلة بشريًا (عقم، شيخوخة، موت)، يتدخل الله ليعلن أنه هو مصدر الحياة.

  2. التجديد (الاسم الجديد): الدخول في عهد مع الله يغير هويتنا. لا نعود نعيش لأنفسنا (ساراي) بل نصبح ملكًا لله وللآخرين (سارة).

  3. القطع (الختان): لا عهد بدون "قطع" للشر والشهوة. الألم المصاحب للتكريس هو علامة الجدية في العهد.

  4. التمييز بين البركات: هناك بركات مادية (لإسماعيل) يعطيها الله لخليقته، وهناك بركات العهد والميراث الأبدي (لإسحاق) التي تُعطى لابن الموعد.

 

تعليقات

الأكثر مشاهدة

تفسير سفر التكوين بالكامل

تفسير سفر التكوين الاصحاح الاول

تفسير الاصحاح 19 من سفر التكوين