نفسير الاصحاح 18 من سفر التكوين

 

 

 

مقدمة: خيمة الاجتماع الأولى

بعد أن اختتن إبراهيم ودخل في العهد، لم يعد الله يكلمه فقط، بل جاء لزيارته. هذا الإصحاح يقدم لوحة رائعة عن "ضيافة الله" و"الشفاعة". إنه يمثل قمة العلاقة الحميمة بين الله والإنسان.


1. ضيافة إبراهيم: أيقونة الثالوث (الآيات 1-8)

"وَظَهَرَ لَهُ الرَّبُّ عِنْدَ بَلُّوطَاتِ مَمْرَا... وَإِذَا ثَلاَثَةُ رِجَالٍ وَاقِفُونَ لَدَيْهِ."

  • ظهور الله (الثيوفانيا):

    • يقول النص "ظهر له الرب"، ثم يصف "ثلاثة رجال". هذا المشهد يفسره الآباء بطريقتين متكاملتين:

      1. أنه ظهور للاقنوم الثاني (المسيح قبل التجسد) ومعه ملاكين (اللذين سيذهبان لسدوم لاحقًا).

      2. أنه تلميح وإعلان سري عن "الثالوث القدوس" (آب وابن وروح قدس). فإبراهيم رأى ثلاثة، لكنه خاطبهم بصيغة المفرد قائلاً: "يَا سَيِّدُ" (آية 3).

  • سلوك إبراهيم:

    • اليقظة: كان جالسًا وقت الظهيرة (وقت الراحة والكسل)، لكنه كان متيقظًا يترقب الغرباء.

    • الركض: رغم أنه شيخ (99 عامًا) ومتألم من الختان (الذي تم قبل أيام قليلة)، إلا أنه "ركض" لاستقبالهم. المحبة تجعل الإنسان ينسى ألمه الجسدي.

    • الاتضاع: سجد إلى الأرض، ودعا نفسه "عبدك".

  • الوليمة (رمز الإفخارستيا):

    • غسل الأرجل: إشارة للتوبة والتطهير قبل الأكل مع الرب.

    • الخبز (ثلاث كيلات دقيق): طلب من سارة أن تعجن "ثلاث كيلات". رقم 3 يشير للقيامة والحياة. الكنيسة (سارة) تقدم الخبز الحي للعالم.

    • العجل الرخص: أخذ عجلاً رخصًا وجيدًا. يرى الآباء في هذا العجل رمزًا للمسيح (العجل المسمن) الذي ذُبح لأجلنا ليصير طعامًا يهب الحياة. إبراهيم هنا يمارس دور الكاهن الذي يقدم ذبيحة.


2. تجديد الوعد وضحك سارة (الآيات 9-15)

"هَلْ يَسْتَحِيلُ عَلَى الرَّبِّ شَيْءٌ؟"

  • السؤال عن سارة: "أَيْنَ سَارَةُ امْرَأَتُكَ؟". الله يعرف مكانها، لكنه أراد أن يشركها في الحديث والوعد، لأن البركة تخصها كما تخص إبراهيم.

  • تحديد الميعاد: "إِنِّي أَرْجِعُ إِلَيْكَ نَحْوَ مِيعَادِ الْحَيَاةِ". لم يعد الوعد عامًا، بل صار محددًا بتوقيت (بعد 9 أشهر).

  • ضحك سارة:

    • سارة ضحكت "في باطنها". كان ضحكها مختلفًا عن ضحك إبراهيم (في الأصحاح 17). إبراهيم ضحك دهشةً وفرحًا، أما سارة فضحكت يأسًا ومنطقًا بشريًا، ناظرة إلى شيخوختها ("فَنَائِي").

    • كانت تنظر لجسدها الميت، ولم تنظر لقوة الله المحيية.

  • عاتبة الرب الحانية:

    • كشف الرب ما في قلبها (وهذا دليل على ألوهيته، فمن يفحص القلوب إلا الله؟).

    • السؤال الجوهري: "هَلْ يَسْتَحِيلُ عَلَى الرَّبِّ شَيْءٌ؟". هذه الآية هي علاج لكل يأس بشري.

    • عندما أنكرت سارة خوفًا، قال لها: "لاَ، بَلْ ضَحِكْتِ". الله لا يريد أن يحرجها، بل يريد أن يشفي "الشك" في داخلها ويقودها للاعتراف والصدق لتتأهل لنوال المعجزة.


3. الله يكشف أسراره لإبراهيم (الآيات 16-22)

"هَلْ أُخْفِي عَنْ إِبْرَاهِيمَ مَا أَنَا فَاعِلُهُ؟"

  • المشايعة: قام الرجال، ومشى إبراهيم معهم ليودعهم. المحبة لا تنتهي عند باب الخيمة.

  • لماذا كشف الله السر لإبراهيم؟

    1. الصداقة: "هل أخفي عن إبراهيم؟". الله يعامل قديسيه كأصدقاء يشاركهم تدبيراته.

    2. المسؤولية: "لأَنِّي عَرَفْتُهُ لِكَيْ يُوصِيَ بَنِيهِ... فَيَحْفَظُوا طَرِيقَ الرَّبِّ". الله يعلن دينونته للشر (سدوم) أمام إبراهيم لكي يُعلّم إبراهيمُ أولادَه أن الخطية تجلب الموت، فيحفظوا طريق الرب.

  • صراخ سدوم: "إِنَّ صُرَاخَ سَدُومَ وَعَمُورَةَ قَدْ كَثُرَ". للخطية "صوت" يصرخ طالبًا العدالة الإلهية. الدماء المسفوكة والظلم لهما صوت يصل للسماء.

  • النزول: "أَنْزِلُ وَأَرَى". تعبير بشري يعني أن الله لا يحكم بناءً على "السمع" بل "المعاينة". الله عادل جداً، يفحص الأمور بدقة قبل توقيع العقوبة.


4. شفاعة إبراهيم العظيمة (الآيات 23-33)

"أَفَتُهْلِكُ الْبَارَّ مَعَ الأَثِيمِ؟ ... حَاشَا لَكَ!"

هنا يقف إبراهيم كأول شفيع عظيم في الكتاب المقدس، مؤسسًا مفهوم الشفاعة:

  • وقوف أمام الرب: الملاكان ذهبا لسدوم، وبقي إبراهيم واقفًا أمام يهوه.

  • منطق الشفاعة: إبراهيم لم يطلب من الله أن يترك الشر بلا عقاب، بل طلب النجاة للأشرار إكرامًا للأبرار الموجودين بينهم. "عَسَى أَنْ يَكُونَ خَمْسُونَ بَارًّا... أَفَتُهْلِكُ؟".

    • هذا رمز للمسيح الذي ببره الواحد برر كثيرين. العالم يبقى قائمًا بفضل وجود القديسين فيه.

  • التدريج (المفاوضة المقدسة): بدأ بـ 50، ثم 45، 40، 30، 20، وانتهى عند 10.

    • في كل مرة يوافق الله. هذا يظهر رحمة الله الواسعة؛ فهو مستعد أن يعفو عن مدينة كاملة فاسدة لو وجد فيها قلة قليلة أمينة.

    • لماذا توقف عند 10؟ ربما حسب إبراهيم أن عائلة لوط (لوط، زوجته، بناته، وأصهاره) لا بد أن يكملوا عشرة أشخاص.

  • اتضاع الشفيع: "شَرَعْتُ أُكَلِّمُ الْمَوْلَى وَأَنَا تُرَابٌ وَرَمَادٌ". الدالة مع الله لا تلغي الخشوع.

  • نتيجة الحوار: "ذَهَبَ الرَّبُّ... وَرَجَعَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى مَكَانِهِ". انتهى الحوار باتفاق: إن وجد عشرة، لن تُهلك المدينة. ولكن للأسف، لم يكن هناك حتى عشرة، كما سنرى.


الدروس الروحية والرموز

  1. الله يطلب صداقتنا: الله لا يريد عبيدًا ينفذون الأوامر فقط، بل أحباء يشاركهم أفكاره (يوحنا 15: 15 "لا أعود أسميكم عبيدًا... بل أحباء").

  2. أهمية الضيافة: "لا تنسوا إضافة الغرباء، لأن بها أضاف أناس ملائكة وهم لا يدرون" (عبرانيين 13). إبراهيم استضاف الرب نفسه بقلبه المفتوح.

  3. قوة الشفاعة: الله يستجيب لصلوات قديسيه من أجل العالم. الصلاة من أجل الآخرين هي عمل كهنوتي محب.

  4. العدل والرحمة: الله لا يهلك البار مع الأثيم. وحتى في غضبه، يبحث عن سبب ليرحم (لو وجد عشرة).

تعليقات

الأكثر مشاهدة

تفسير سفر التكوين بالكامل

تفسير سفر التكوين الاصحاح الاول

تفسير الاصحاح 19 من سفر التكوين