تفسير الاصحاح 19 من سفر التكوين
مقدمة: الفرق بين الخيمة والباب
إبراهيم: كان جالسًا في "باب الخيمة" وقت الظهيرة، مستعدًا لاستقبال الله.
لوط: كان جالسًا في "باب سدوم" (آية 1). الجلوس في الباب قديمًا يعني أنه صار ذا منصب وقضاء ومكانة في المدينة. لقد انغمس لوط في المجتمع الفاسد، رغم أن قلبه كان "يعذب يومًا فيومًا" بسبب فجورهم (كما يذكر الرسول بطرس).
1. الملاكان في سدوم وضيافة لوط (الآيات 1-3)
"فَجَاءَ الْمَلاَكَانِ إِلَى سَدُومَ مَسَاءً..."
غياب الرب: في الإصحاح السابق ظهر ثلاثة رجال، بقي الرب مع إبراهيم، وذهب الملاكان (الشاهدان) لتنفيذ الحكم. الله قدس الأقداس لا يسكن في مكان الشر المطلق.
ضيافة لوط: عندما رآهما لوط، قام وسجد (مقلدًا عمه إبراهيم). أصر على استضافتهما لأنه يعلم شر أهل المدينة وخطورة بقاء الغرباء في الشارع ليلاً.
الفطير: صنع لهما فطيرًا. الفطير (خبز بلا خميرة) يرمز للعجلة، وأيضًا قد يرمز لرغبته في تقديم شيء طاهر في وسط مكان نجس (الخمير يرمز للشر).
2. شر أهل سدوم وتخبط لوط (الآيات 4-11)
"أَحَاطَ بِالْبَيْتِ رِجَالُ الْمَدِينَةِ... مِنَ الْحَدَثِ إِلَى الشَّيْخِ..."
الفساد الشامل: الشر لم يكن قاصرًا على فئة معينة، بل شمل "الحدث والشيخ"، و"من كل جهة". المجتمع كله صار فاسدًا.
طبيعة الخطية: طلبوا إخراج الرجلين "لنعرفهما" (علاقة جسدية شاذة). هذه الخطية تدل على انحدار البشرية لأسفل درجات الشهوة، والتعدي على حرمة الضيوف.
موقف لوط الضعيف:
خرج إليهم وحاول تهدئتهم بكلمة "يا إخوتي". التنازل مع الشر يجعلك تدعو الأشرار إخوة.
العرض الصادم: عرض لوط ابنتيه عليهم ليكفوا عن ضيوفه. هذا التصرف غريب ومرعب بمقاييسنا، ولكنه يكشف عن أمرين:
قدسية "حق الضيافة" في الشرق القديم التي تفوق أي شيء آخر.
التشوه الأخلاقي: تأثر لوط ببيئة سدوم لدرجة أنه فكر في معالجة خطية بخطية أخرى، وهذا دليل على ارتباكه الروحي الشديد.
تدخل الملائكة: ضربوا الرجال بالعمى. والعجيب أنهم ظلوا يحاولون العثور على الباب. هذا يصور "العمى الروحي"؛ فالخاطي المصر على خطيته يسعى خلف الشر حتى وهو تحت التأديب والعقوبة.
3. التحذير والتباطؤ (الآيات 12-22)
"هَرَبَ لُوطٌ وَالْمَلاَكَانِ مُمْسِكَانِ بِيَدِهِ... لِشَفَقَةِ الرَّبِّ عَلَيْهِ"
فقدان التأثير: عندما حذر لوط أصهارَهُ (أزواج بناته المستقبليين)، "كَانَ كَمَازِحٍ فِي أَعْيُنِ أَصْهَارِهِ". من يعيش حياة التنازل يفقد توقير الناس لكلامه عن الله والدينونة. لم يصدقوا أن هذا الرجل الذي يعيش بينهم يعرف حقًا غضب الله.
التباطؤ: "وَلَمَّا طَلَعَ الْفَجْرُ... وَإِذْ لَمَّا تَوَانَى". لوط كان مترددًا. قلبه متعلق بممتلكاته وبيته في سدوم.
الإنقاذ القسري: الملاكان أمسكا بيده ويد زوجته وبناته وأخرجاهم. الخلاص هنا كان "بشفقَة الرب"، وليس ببر لوط الذاتي. أحيانًا تنتشلنا العناية الإلهية رغماً عن إرادتنا المترددة.
الوصية: "لاَ تَنْظُرْ وَرَاءَكَ... اهْرُبْ إِلَى الْجَبَلِ".
عدم النظر للوراء يعني قطع الصلة تمامًا بالماضي الشرير.
الجبل يرمز للسمو والارتفاع عن العالم (حيث يسكن إبراهيم).
ضعف إيمان لوط: رفض الذهاب للجبل خوفًا، وطلب الذهاب لمدينة صغيرة ("صوغر"). حتى في نجاته، كان يبحث عن "أنصاف الحلول" ولا يريد الصعود للقمة (الجبل) بل البقاء في السهل.
4. الدينونة وامرأة لوط (الآيات 23-29)
"وَأَمْطَرَ الرَّبُّ عَلَى سَدُومَ وَعَمُورَةَ كِبْرِيتًا وَنَارًا... وَنَظَرَتِ امْرَأَتُهُ مِنْ وَرَائِهِ فَصَارَتْ عَمُودَ مِلْحٍ"
شمس الدينونة: أشرقت الشمس (آية 23) وبدت الأمور طبيعية، ثم نزل الهلاك فجأة. هكذا يوم الدينونة، يأتي كلص في الليل والناس في غفلة.
امرأة لوط: نظرت وراءها. لم تكن مجرد التفاتة جسدية، بل حنينًا للقلب. تركت جسدها يخرج، لكن قلبها بقي في سدوم (مع مقتنياتها وعلاقاتها). تحولت لعمود ملح لتصير عبرة دائمة لمن يبدأ الطريق ولا يكمله (تذكروا امرأة لوط - لوقا 17: 32).
الخلاص بفضل الشفاعة: "ذَكَرَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ وَأَرْسَلَ لُوطًا". النص يوضح صراحة أن نجاة لوط كانت استجابة لشفاعة إبراهيم. صلوات القديسين هي سور يحمي حتى الضعفاء من ذويهم.
5. النهاية المأساوية في المغارة (الآيات 30-38)
"وَصَعِدَ لُوطٌ مِنْ صُوغَرَ وَسَكَنَ فِي الْجَبَلِ... فِي مَغَارَةٍ هُوَ وَابْنَتَاهُ"
ينتهي الإصحاح بمشهد مؤلم ومظلم، يمثل النتيجة الطبيعية لاختيار لوط الأول (أن يسكن في سدوم):
الخوف والعزلة: خاف لوط أن يسكن في صوغر (التي اختارها بنفسه)، فانتهى به الأمر في مغارة معزولة. الذي ترك خيمة عمه إبراهيم الغنية، انتهى به الحال طريدًا في كهف.
منطق بنات لوط: البنتان تأثرتا بأخلاق سدوم. ظنتا أن العالم كله قد فني، فقررتا إقامة نسل بطريقة ملتوية (الغاية تبرر الوسيلة).
السكر والزنا: كما بدأ نوح حياته الجديدة بعد الطوفان بالسكر، هنا يسكر لوط وتزني به ابنتاه وهو لا يدري. السكر يغيب الوعي ويفتح الباب للخطايا العظيمة.
مواب وبنو عمون: نتج عن هذا السقوط ابنان:
موآب: أبو المؤابيين.
بن عمي: أبو بني عمون. هذان الشعبان صارا من ألد أعداء شعب الله (إسرائيل) عبر التاريخ. الثمرة المرة للخطية تدوم طويلاً.
مقارنة ختامية بين إبراهيم ولوط
إبراهيم: ترك أهله طاعةً لله -> باركه الله ووهبه ابناً بالمعجزة (إسحق) -> صار أباً للمؤمنين.
لوط: ترك عمه سعياً وراء العشب والأرض (المادة) -> فقد كل شيء (بيته، زوجته، ثروته) -> أنجب ابنين بالزنا (موآب وعمون) صارا شوكة في جنب المؤمنين.
الدروس الروحية
الهروب من الشر: لا يجب التفاوض مع الخطية أو التباطؤ في ترك أماكن العثرة. "اهرب لحياتك".
خطورة أنصاف الحلول: لوط لم يرد الجبل بل "صوغر". الحياة الروحية تتطلب الصعود الكامل وليس التواجد في المناطق الرمادية.
القلب المنقسم: امرأة لوط خرجت بجسدها وبقي قلبها. الله يطلب القلب الكامل.
تأثير البيئة: التربية في "سدوم" أفسدت فكر بنات لوط. علينا الحذر مما يتشربه أبناؤنا من العالم المحيط.

تعليقات
إرسال تعليق