تفسير الاصحاح 16 من سفر التكوين



 

 

مقدمة الإصحاح

في الإصحاح السابق (تكوين 15)، قطع الله عهدًا مع أبرام ووعده بأن نسله سيكون كنجوم السماء، وقد "آمن أبرام بالله فحسب له برًا". ولكن في هذا الإصحاح، نرى الجانب البشري والضعف الإنساني أمام تأخر تحقيق الوعد الإلهي. يُظهر هذا الإصحاح محاولة الإنسان لتحقيق خطة الله بطرقه الخاصة البشرية بدلاً من الانتظار بتسليم كامل لتوقيت الله.


1. اقتراح ساراي (الآيات 1-3)

"وَأَمَّا سَارَايُ امْرَأَةُ أَبْرَامَ فَلَمْ تَلِدْ لَهُ. وَكَانَتْ لَهَا جَارِيَةٌ مِصْرِيَّةٌ اسْمُهَا هَاجَرُ..."

  • السياق التاريخي: مرت عشر سنوات منذ دخول أبرام أرض كنعان (كما يذكر العدد 3)، وكان عمره الآن 85 عامًا، وساراي 75 عامًا. اليأس بدأ يتسلل إلى قلب ساراي بخصوص إنجاب طفل.

  • هاجر المصرية: الأرجح أن ساراي حصلت على هاجر عندما نزل أبرام إلى مصر (تكوين 12)، حيث أهدى فرعون لأبرام خيرات كثيرة. وجود هاجر يمثل الارتباط بالعالم (مصر) الذي غالبًا ما يجلب المتاعب لاحقًا.

  • المنطق البشري: قالت ساراي: "هُوَذَا الرَّبُّ قَدْ أَمْسَكَنِي عَنِ الْوِلادَةِ. ادْخُلْ عَلَى جَارِيَتِي لَعَلِّي أُبْنَى مِنْهَا". كان العرف في تلك الأيام (كما تظهر قوانين حمورابي وغيرها) يسمح للزوجة العاقر أن تعطي جاريتها لزوجها، ويكون الطفل المولود منسوبًا قانونيًا للزوجة الحرة.

  • خطأ ساراي وأبرام:

    • ساراي: نظرت إلى "الطبيعة الميتة" (عقمها) بدلاً من النظر إلى "الوعد الإلهي الحي". لجأت للحكمة البشرية.

    • أبرام: "فَسَمِعَ أَبْرَامُ لِقَوْلِ سَارَايَ". هنا تكرار لما حدث مع آدم وحواء، حيث استمع الرجل لصوت زوجته في أمر يخالف (أو يلتف حول) تدبير الله الكامل. لم يستشر أبرام الرب في هذا الأمر الخطير.


2. النتيجة المتسرعة: الكبرياء والذل (الآيات 4-6)

"فَدَخَلَ عَلَى هَاجَرَ فَحَبِلَتْ. وَلَمَّا رَأَتْ أَنَّهَا حَبِلَتْ صَغُرَتْ مَوْلاتُهَا فِي عَيْنَيْهَا."

  • تغير قلب هاجر: بمجرد أن شعرت هاجر بالحياة في أحشائها، ارتفعت الكبرياء في قلبها. شعرت أنها أفضل من سيدتها العاقر، وربما ظنت أنها ستصير هي الوريثة والزوجة المفضلة. الكبرياء هو أول خطية تظهر عند نوال العطايا المادية دون نعمة.

  • شكوى ساراي: "ظُلْمِي عَلَيْكَ! ... يَقْضِي الرَّبُّ بَيْنِي وَبَيْنَكَ". ساراي، التي كانت صاحبة الفكرة، تلوم زوجها الآن. هذا هو حال الإنسان عندما يفشل تدبيره البشري؛ يلقي اللوم على الآخرين. ومع ذلك، كان في لومها جانب من الحق، فكان يجب على أبرام أن يحفظ كرامة زوجته.

  • رد فعل أبرام: "هُوَذَا جَارِيَتُكِ فِي يَدِكِ. افْعَلِي بِهَا مَا يَحْسُنُ فِي عَيْنَيْكِ". أبرام لم يرد أن يكسر قلب ساراي أو يسلبها سلطتها، فتخلى عن هاجر لسلطان ساراي، مفضلاً السلام في بيته ومرضاة شريكة حياته الحرة.

  • الهروب: "فَأَذَلَّتْهَا سَارَايُ، فَهَرَبَتْ مِنْ وَجْهِهَا". لم تحتمل هاجر (الإنسان الطبيعي) التأديب أو الذل، فاختارت الهروب إلى البرية.


3. ظهور ملاك الرب لهاجر (الآيات 7-12)

"فَوَجَدَهَا مَلاَكُ الرَّبِّ عَلَى عَيْنِ الْمَاءِ فِي الْبَرِّيَّةِ..."

  • ملاك الرب: يرى الكثير من الآباء أن "ملاك الرب" هنا (بصيغة المفرد والمعرفة) هو ظهور "للأقنوم الثاني" (ظهور إلهي) قبل التجسد، والدليل أنه يتكلم بسلطان إلهي ("تَكْثِيرًا أُكَثِّرُ نَسْلَكِ").

  • سؤال الملاك: "يَا هَاجَرُ جَارِيَةَ سَارَايَ، مِنْ أَيْنَ أَتَيْتِ؟ وَإِلَى أَيْنَ تَذْهَبِينَ؟". الله يعلم الإجابة، لكنه يريدها أن تعترف بحالتها. ناداها بـ "جارية ساراي" ليذكرها بوضعها الحقيقي الذي حاولت الهرب منه أو التكبر عليه.

  • الأمر بالعودة: "ارْجِعِي إِلَى مَوْلاتِكِ وَاخْضَعِي تَحْتَ يَدَيْهَا".

    • هذا درس روحي عميق: الله لا يحل مشاكلنا بالهروب منها، بل بمواجهتها وبالخضوع والاتضاع. طريق الهروب إلى مصر (العالم) ليس هو الحل.

    • الخضوع هنا هو طريق البركة. لا يمكن أن تنال وعدًا وهي متمردة وهاربة.

  • الوعد لهاجر: وعدها الله بأن يكثر نسلها جدًا.

  • اسم الطفل ونبوءة عنه:

    • إسماعيل: معناه "الله يسمع". لأن الرب سمع لمذلتها. هذا تعزية لكل نفس متألمة ومنسحقة.

    • صفات إسماعيل: "إِنْسَانًا وَحْشِيًّا، يَدُهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ، وَيَدُ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَيْهِ". هذه نبوة عن طبع النسل الذي سيأتي منه (شخصية بدوية، قوية، محاربة، تعيش في البرية، في صراع دائم). إنه يمثل الإنسان الجسدي الذي يعيش بقوة الذراع وليس بقوة الروح.


4. إيمان هاجر وعودتها (الآيات 13-16)

"فَدَعَتِ اسْمَ الرَّبِّ الَّذِي تَكَلَّمَ مَعَهَا: أَنْتَ إِيلُ رُئِي".

  • اعتراف هاجر: "أنت إيل رئي" تعني "أنت إله الرؤية" أو "الإله الذي يراني".

    • لقد اختبرت حقيقة مذهلة: حتى وهي جارية هاربة في برية قاحلة، عين الله عليها. الله لا يرى فقط الأبرار مثل أبرام، بل يرى أيضًا المهمشين والضعفاء والمخطئين.

    • قالت: "أَهَهُنَا أَيْضًا رَأَيْتُ بَعْدَ رُؤْيَةٍ؟"، أي هل يعقل أنني رأيت الله وبقيت حية؟

  • بئر لحي رئي: سُميت البئر بهذا الاسم تخليدًا للذكرى، وتقع بين قادش وبارد.

  • ولادة إسماعيل:

    • أطاعت هاجر وعدت، وولدت ابنًا.

    • دعا أبرام اسمه "إسماعيل" كما قال الملاك لهاجر (مما يدل على أن هاجر أخبرت أبرام بما حدث وبكلام الملاك).

    • كان عمر أبرام 86 سنة.


5. التأمل الروحي والرمزي في الإصحاح

يمكن قراءة هذا الإصحاح كرمز للصراع بين "الناموس" و"النعمة" (كما شرح القديس بولس في غلاطية 4):

  1. ساراي وهاجر:

    • ساراي (الحرة): ترمز للعهد الجديد، أورشليم السماوية، الكنيسة، والنعمة. هي تأخرت في الولادة لكن ابنها (إسحق) هو ابن الموعد والمعجزة.

    • هاجر (الجارية): ترمز للعهد القديم (طور سيناء)، العبودية للناموس، والمحاولة البشرية للوصول لله بالأعمال الذاتية دون نعمة.

  2. إسماعيل وإسحق (الآتي):

    • إسماعيل: وُلد بحسب الجسد، بترتيب بشري، وقبل الوقت المعين. يمثل أعمال الجسد التي تسبق ثمار الروح.

    • الدرس: الله لا يعتمد على خططنا البشرية (هاجر) لتحقيق وعوده الإلهية. كل ما ننتجه بذراعنا البشري (إسماعيل) قد يسبب صراعًا ومتاعب لثمار الروح (إسحق) فيما بعد.

  3. تأديب الله بالصمت:

    • بعد ولادة إسماعيل (في عمر 86)، صمت الوحي عن ذكر أي أحداث لأبرام حتى الإصحاح 17 حين صار عمره 99 سنة. (13 سنة من الصمت).

    • يُفسر ذلك بأن التدبير البشري المتسرع قد يعطل الاستعلانات الإلهية العميقة لفترة، حتى يدرك الإنسان عجز "إسماعيل" (الحل البشري) عن أن يكون هو المخلص أو الميراث الحقيقي.


الدروس المستفادة

  • الانتظار: ضرورة الصبر على وعود الله وعدم اللجوء للحلول البشرية الملتوية.

  • عين الله الساهرة: الله يرى المذلة ويسمع للأنين، حتى لو كنا في حالة هروب أو خطأ (كما حدث مع هاجر).

  • خطورة الكبرياء: النعمة أو العطية لا يجب أن تقود للكبرياء على الآخرين، بل للشكر.

  • الخضوع: طريق العودة للبركة يبدأ بالرجوع والخضوع للترتيب الذي وضعه الله، وليس بالهرب من المشاكل.

تعليقات

الأكثر مشاهدة

تفسير سفر التكوين بالكامل

تفسير سفر التكوين الاصحاح الاول

تفسير الاصحاح 19 من سفر التكوين